Sunday, 8 November 2015

!التدقيق الداخلي والحب من طرف واحد

           
في بعض الأحيان تكون العلاقة بين التدقيق الداخلي والإدارة العليا خاصة وبقية منسوبي المؤسسة عامة أشبه ما تكون" بالحب من طرف واحد " إن استعملنا التعبير المجازي وحاولنا إضافة بعض الطرافة في تداول هذا الموضوع الشاق!  قبل أن أخوض بالتفاصيل دعوني أوضح المقصود بهذا النوع من الحب:
تعرف الويكيبيديا الحب من طرف واحد على انه:
" الحب غير المتبادل بين طرفين لأنه غير مدرك على انه حب من الطرف الأخر أو انه مدرك ولكن يتم تجاهله "
"Unrequited love or one-sided love is love that is not openly reciprocated or understood as such by the beloved. The beloved may not be aware of the admirer's deep and strong romantic affection or consciously reject it."
يسعى التدقيق الداخلي إلى إقامة علاقة مهنية قوية يسودها الاحترام المتبادل والحرص على حماية مصالح المؤسسة مع جميع الإدارات على مختلف المستويات (سأتناول العلاقة مع لجنة التدقيق في مقالة منفصلة) مع الحرص على الاحتفاظ بالاستقلالية المطلوبة والاحترافية المهنية، إلا أن هذا الهدف يتعثر في بعض الأحيان نتيجة عدم تجاوب البعض معه أو محاولة تهميش التدقيق الداخلي لأسباب قد يكون منها:
    : عدم فهم أهداف وأهمية التدقيق الداخلي
رغم ما حققه التدقيق الداخلي من "أثبات وجود" في السنوات الماضية، إلا أن أهدافه وجدواه لاتزال غير واضحة لدى البعض سواء بسبب الجهل بها أو فهمها بطريقة خاطئة. في مثل هذه الحالات أميل إلى تحميل التدقيق الداخلي لجزء غير قليل من المسؤولية نتيجة لقناعتي بانه لا يبذل الجهد العملي الكافي “لتسويق" نفسه ونشر الوعي بأهميته وأهدافه في المؤسسة التي يتواجد بها.
 : عدم الاقتناع بجدوى وأهمية التدقيق الداخلي
الوضع هنا مختلف عن الوضع أعلاه من حيث أن هناك "تفهما" لأهداف التدقيق الداخلي ولكن في الوقت نفسه لا يوجد قناعة بجدواه وفعاليته. هذه القناعة قد تكون عن حسن نية ومرتبطة بمستوى الخبرة والثقافة وقد تكون لرغبة في تحجيم أو تغييب التدقيق الداخلي لسبب من الأسباب.  
                           : وجود تجربة سلبية مع التدقيق الداخلي
لا شك بان وجود تجربة سلبية مع التدقيق الداخلي، بغض النظر عن ظروفها وأسبابها، تسهم بشكل مباشر في فتور العلاقات وتسهم في خلق جو من عدم الثقة والسلبية في التعامل.
   فشل التدقيق الداخلي:
الفشل هنا قد يكون نتيجة لعدم قدرة التدقيق الداخلي على" فرض" وجوده أو فشله بالقيام بالواجبات الموكلة اليه حسب الأصول المهنية المتعارف عليها وعدم قدرته على إضافة أي فائدة للمؤسسة.

مقومات العلاقة الناجحة

حتى يكون " الحب" متبادلا وله فرصة بالاستمرار والتطور فلا بد من وجود مقومات نجاح له، اسرد هنا أهمها:
Equality   التكافؤ  
طالما طالب التدقيق الداخلي بان يتم منحه "مقعدا على الطاولة" وان يتم معاملته بالقدر نفسه من الأهمية والتقدير الذي يمنح للدوائر الأخرى. هذا الهدف لا يتم تحقيقه بقرار يمنح من الإدارة أو يقدم على طبق من ذهب، بل يتوجب على التدقيق الداخلي أن يكسبه بجهده. من اهم متطلبات العلاقة المتكافئة بنظري وجود رئيس تنفيذي قوي للتدقيق الداخلي قادر على التعامل مع جميع المستويات الإدارية والتعامل مع الظروف الصعبة وحماية مصالح دائرته. من المميزات المطلوبة بالرئيس التنفيذي "والتي يجب أن لا تقتصر عليه وحده بل يجب أن تشمل جميع المدققين الداخليين": 
- أن يتحلى بالجرأة المهنية وان يكون قادرا ومستعدا لتسمية الأشياء كما هي دون مواربة (أن لا يخشى في الحق لومة لائم)، بغض النظر عن العواقب المترتبة على ذلك. من الضروري هنا التأكيد بأنني لا أطالب رئيس التدقيق الداخلي" بالانتحار المهني" او التهور وإنما بالقيام بواجبه المهني الذي يتطلب منه إبداء الراي بكل موضوعية ونزاهة وأمانة. كنت أتمنى لو أن التعديلات الأخيرة على المعايير الدولية للممارسة المهنية للتدقيق الداخلي قد تطرقت إلى موضوع الجرأة المهنية صراحة، لكن على الأقل فان روح هذه المعايير توحي بذلك كما يعتقد البعض!
كنت قد طالبت من خلال مقال سابق لي بإيجاد الية لحماية المدققين الداخليين ماديا ومعنويا في حال فقدوا وظائفهم نتيجة هذه الجرأة المهنية. أعتقد بان على معهد المدققين الداخليين أن يبادر بأخذ زمام المبادرة بهذا الموضوع بالتعاون مع الجهات الحكومية والتشريعية المختصة بالإضافة إلى شركات التامين.
 
- في الوقت نفسه، فان العلاقة البناءة تتطلب من المدقق الداخلي أن يبتعد عن الغرور والفوقية وان يتعامل مع جميع منسوبي المؤسسة على اختلاف مستوياتهم الوظيفية بمهنية عالية واحترام. في تغريده كتبتها مؤخرا قلت " لا ينبغي للمدقق الداخلي محاولة إثبات انه الأكثر ذكاء من الأخرين في المؤسسة وإنما العمل بذكاء أكثر لمساعدة المؤسسة على بلوغ أهدافها".
  عاملا مساعدا على بناء التكافؤ في العلاقات. يعرف قاموس كامبريدج (Charisma) - أميل إلى اعتبار الجاذبية المهنية الجاذبية على إنها القدرة على جذب اهتمام وإعجاب الأخرين والقدرة على الظهور بمظهر القائد.
               the ability to attract the attention and admiration of others, and to be seen as a leader
                                                                                                               
Trust    الثقة
قد يتساءل البعض كيف تبنى الثقة والعلاقة بين المدقق الداخلي والأخرين يفترض أن تكون مبنية على "الشك المهني"؟ الجواب على هذا التساؤل يبدا بالفهم الصحيح لهذا المبدأ. من أفضل التعاريف التي قراتها  للشك هو للدكتور مايكل شيرمر حيث يقول مع التصرف الطفيف بالترجمة:  
"إن المعنى الحقيقي للشك لا يمت بصلة بالريبة او عدم التصديق او السلبية. الشك هو عملية تطبيق المنطق والتفكير النقدي من اجل تقرير مدى الصحة والصدق. انه عملية إبداء الراي المبني على حقائق وليس إبداء الراي المبني على أراء مسبقة"
"The true meaning of the word skepticism has nothing to do with doubt, disbelief, or negativity. Skepticism is the process of applying reason and critical thinking to determine validity. It's the process of finding a supported conclusion, not the justification of a preconceived conclusion.” Dr. Michael Shermer.
        Skepticism is not a position; it's a process ويضيف قائلا: "الشك ليس موقفا نتخذه، انه عملية إجرائية “
إذا فهم المدقق الداخلي الشك بهذه الطريقة وبانه ليس بغاية في حد ذاته وإنما بوسيلة للوصول إلى الحقيقة، فان هذه هي الخطوة الأولى في طريق بناء الثقة. هذا الطريق ذو اتجاهين، حيث يتوجب على عملاء التدقيق الداخلي وكافة منسوبي المؤسسة أن يكونوا على ثقة بان التدقيق الداخلي لا يتعمد ولا يهدف إلى اصطياد الأخطاء وإظهار الأخرين بمظهر سلبي وإنما هدفه العمل معهم من اجل أن يتمكنوا من القيام بواجباتهم بطريقة أكثر فاعلية. إن العبء الأكبر في بناء هذه الثقة يقع على عاتق التدقيق الداخلي شئنا أم أبينا!
لبناء الثقة يجب على التدقيق الداخلي أن يرقى إلى مستوى التوقعات والآمال المعقودة عليه.      
 Aligned Objectives الهدف المشترك   
من أسباب نجاح أي علاقة وجود هدف مشترك يسعى الطرفين لإنجازه. هنا تبرز أهمية قيام التدقيق الداخلي بتقريب ومواءمة أهدافه مع الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة ومراجعتها وتعديلها بشكل دوري. على التدقيق الداخلي أن لا يغرد خارج السرب وان يشارك بفاعلية، بطريقة أو بأخرى، في التوجهات الاستراتيجية للمؤسسة دون فقدانه لاستقلاليته، وان يكون قادرا على سرعة التأقلم   مع المستجدات حتى يبقى طرفا مؤثرا وذي صلة.  

ما الذي يفسد العلاقة؟

هناك أمور تفسد العلاقة بين التدقيق الداخلي والأخرين منها:
Out of sight, out of mind    البعد جفاء
للحفاظ على علاقة دافئة ومستمرة يتعين على التدقيق الداخلي أن لا ينعزل عن محيطه وان لا يتقوقع بحجة الحفاظ على الاستقلالية. يقول المثل "بعيد عن العين بعيد عن القلب " وهذا ينطبق أيضا على علاقات العمل. أن التدقيق الداخلي أحوج ما يكون للتواصل مع الإدارات المختلفة بشكل مستمر ليس للحفاظ على علاقات صحية فقط وإنما للتمكن من الاطلاع على أحدث المستجدات والمخاطر التي تواجه المؤسسة بالإضافة إلى الفهم الأعمق لعملياتها.
في مدونة سابقة كتبت مقالة بعنوان " التدقيق الداخلي ليس عملا مكتبيا، استمر بالحركة" ذكرت فيها انه لا يمكن للتدقيق الداخلي فهم ما يتوقعه الأخرون منه ما لم يقم أولا بالتعرف عليهم وفهم احتياجاتهم والتحديات والمخاطر التي تواجههم. وهذا لا يتحقق إلا بالتواصل الشخصي المستديم. ولا أعنى بالتواصل الشخصي إرسال مذكرات او بريد الكتروني او حتى محادثة هاتفية، لأنها على أهميتها لا تغني عن اللقاء وجها لوجه ولو لعدة دقائق وبشكل غير رسمي.    
Silence Kills     الصمت القاتل   
كما يقتل الصمت العلاقات الشخصية فانه يقتل أيضا علاقات العمل. إن الإدارة في "غالب الأحيان" ترغب في أن تسمع من التدقيق الداخلي بشكل مستمر وفي الوقت المناسب، وهذا لا ينطبق فقط على تقارير التدقيق الروتينية وإنما يتخطاه إلى الأمور الأخرى التي تهم المؤسسة مثل ما يستجد من مخاطر او ما يطرا من تغييرات على السياسات والتشريعات والمعايير التي تؤثر على سير أعمال المؤسسة.
من الأمور التي وجدت بخبرتي أنها تؤسس لتواصل مفيد قيام التدقيق الداخلي بالتواصل الدائم مع الأخرين عن طريق إصدار نشرات دورية تناقش ما يهم المؤسسة على أن تكون مختصرة وبسيطة دون الخوض في نقاشات تقنية معقدة.
لا حدود هنالك لأدوات التواصل التي قد يرغب التدقيق الداخلي باستعمالها، ولكنها يجب أن تراعي "ثقافة" المؤسسة والأشخاص المعنيين بها. على سبيل المثال، فقد قمت باعتماد أسلوب إرسال أسئلة قصيرة متعددة الإجابات شهريا إلى أعضاء في الإدارة العليا ولجنة التدقيق في احدى الشركات الكبرى تغطي مواضيع مختلفة من محاسبية إلى رقابة داخلية مرورا بإدارة المخاطر، وكنت أخشى أن لا يتم تقبل هذا الأسلوب إلا إنني دهشت من ردة الفعل الإيجابية عليها وروح التنافس بينهم في محاولة الإجابة الصحيحة على جميع الأسئلة.     
   No Value Added أسمع جعجعة ولا أرى طحنا
في نهاية المطاف فان الهدف من وجود التدقيق الداخلي هو المساهمة الإيجابية في نجاح المؤسسة في تحقيق أهدافها وإذا لم يتحقق هذا الهدف، فان العلاقة مع التدقيق الداخلي مصيرها الحتمي إلى الانحدار حتى لو كانت جميع مقومات النجاح الأخرى المذكورة أعلاه لازالت موجودة. التدقيق الداخلي ليس دائرة علاقات عامه ولا بدائرة إعلامية، على أهمية توفر بعض هذه الصفات به، وهو ليس فقط “عيون وأذان" الإدارة وإنما ضمير المؤسسة الذي يسعى لان تظل بوصلتها بالاتجاه الصحيح.
 لا ادعي بأنني أتيت بجديد في هذه المقالة، فقد سمعنا ما ورد فيها مرات عديدة ومن مصادر مختلفة ولكن البعض لا يزال لا يدرك أهمية بناء العلاقة المهنية الحيوية بالقدر الكافي او لا يطبقه عمليا بأسلوب سليم. وقد هدفت من هذه المقالة إلى إعادة التذكير بأهمية العلاقات المهنية لضمان بقاء التدقيق الداخلي حيويا ومضيفا للفائدة وللتأكيد على أن تحقيق هذا الهدف يعتمد بشكل كبير على وجود رئيس تدقيق قوي!
وكما أن "النغمة بالأعلى" في المؤسسة تحدد بشكل كبير طبيعة التعاملات والثقافة فيها، فان نغمة رئيس التدقيق قد تكون الحد الفاصل بين نجاح التدقيق الداخلي او فشله!

ألان، هل تعتقد بان بإمكانك تحويل" الحب من طرف واحد" الى" حب من اول نظرة"

   



The Future of Management Consulting

I am facilitating a discussion through   Convetit on the future of management consulting. A diversified panel of experts from around the...